بن عيسى باطاهر
130
المقابلة في القرآن الكريم
في الآيتين صورتان من صور التقابل بين النعيم والعذاب ، والجنّة والنار ، فالآية الأولى تعد المنافقين والكفار وعيدا سيئا هو النار ، أما الآية الثانية فتعد المؤمنين وعدا حسنا هو الجنة ، وما فيها من نعيم مقيم ، بل إنّ اللّه تعالى أضاف لهم على غرار الجنّة رضوانه بما يسعد نفوسهم ويفرح قلوبهم . ويستفاد من الآيتين أن اللّه سبحانه ولحكمة يراها هو - أجّل العذاب للكفار والمنافقين ومن لفّ لفهم من الحياة الدنيا إلى الآخرة ، وأجّل النعيم الكامل للمؤمنين كذلك من الحياة الدنيا إلى الآخرة ، وفي ذلك كمال العدل والإنصاف ، فالمنافقون والكفار استحقّوا عذاب اللّه بما صدر منهم من كفر باللّه ، ومحاربة للّه ورسوله ، وأمر بالمنكر ونهي عن المعروف ، وتخلف عن الجهاد في سبيل اللّه ، أما الطرف الآخر وهم المؤمنون فقد استحقوا نعيم اللّه بما وفقهم اللّه إلى إيمان به وبرسوله ، وباتباعهم أوامر اللّه ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وقيامهم بمقتضيات التوحيد المحض في أتم صوره . وطريقة المقابلة التي يختارها السياق القرآني هنا هي التي أبرزت هذه المعاني ، وأقامت الأشياء على أساس من الضديّة للتمييز بين مصير الحق ، ومصير الباطل في اليوم الآخر . وقال تعالى : لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 88 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 89 ) وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ التوبة : 88 - 90 ] . تتحدث هذه الآيات عن صنفين متقابلين من الناس ، ولكلّ صنف طبيعته وجزاؤه ، أمّا الصنف الأول من الناس ، فهو الرسول والذين آمنوا معه الذين نهضوا بتكاليف العقيدة ، وادّعوا واجب الإيمان ، وعملوا للعزّة التي لا تنال بالقعود بل بالجهاد والقتال ، فهؤلاء وعدهم اللّه بأنّ لهم الخيرات ، خيرات